أحمد بن محمود السيواسي

88

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

( وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ ) أي فضلنا بعضهم على بعض بالغني والفقر والحرية والرق في الدنيا ( لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا ) أي استهزاء ، يعني ليستخدم بعضهم بعضا بالاستيجار وليستعبد « 1 » الأحرار العبيد بالإكراه ، ثم أخبر أن عطاء الآخرة خير من عطاء الدنيا بقوله ( وَرَحْمَتُ رَبِّكَ ) أي الجنة والنبوة ( خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) [ 32 ] أي مما يجمع الكفار من حطام الدنيا وزينتها . [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 33 ] وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ( 33 ) ( وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ) أي لولا كراهة أن يكون الناس كافرين ، يعني راغبين في الكفر إذا رأوا الكفار في سعة ( لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ ) أي عليها ، فاللام بمعنى على أو « لِبُيُوتِهِمْ » بدل من « لِمَنْ يَكْفُرُ » ، أي لجعلنا لبيوت من يكفر بالرحمن ( سُقُفاً ) مفردا وجمعا بسكون القاف وضمها « 2 » ، وهي سماء البيت ( مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ ) أي مصاعد من فضة ، جمع معرج ( عَلَيْها يَظْهَرُونَ ) [ 33 ] أي يعلون إلى سطوحها . [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 34 ] وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ ( 34 ) ( وَلِبُيُوتِهِمْ ) أي ولجعلنا لبيوتهم ( أَبْواباً ) من فضة ( وَسُرُراً ) من فضة ( عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ ) [ 34 ] أي يجلسون وينامون . [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 35 ] وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ( 35 ) ( وَزُخْرُفاً ) أي ذهبا أو زينة ، يعني لجعلنا لهم زينة من كل شيء أو عطف على محل « مِنْ فِضَّةٍ » ، أي لجعلنا بعضها من فضة وبعضها من ذهب ، المعنى : لولا الخوف على المؤمن الذي يحب الدنيا لصببت الدنيا على الكافر صبا ، إذ لاحظ له شرف في نعيم الآخرة ( وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا ) مشددا بمعنى إلا و « إِنْ » للنفي ، أي ما كل ذلك إلا ( مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا ) يعني يفنى ولا يبقى ( وَالْآخِرَةُ ) أي الجنة ( عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ) [ 35 ] أي للذين يتقون الشرك والمعاصي ، وقرئ « لما » مخففة من الثقيلة « 3 » و « ما » زائدة تأكيدا ، قيل : لم لم يوسع على المسلمين ليرغب الناس إلى الإسلام ؟ أجيب بأن التوسعة عليهم مفسدة أيضا ، لأن الدخول لأجل الدنيا من دين أهل النفاق ونسيان ذكر اللّه تعالى « 4 » . [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 36 ] وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ( 36 ) ثم قال ( وَمَنْ يَعْشُ ) أي ومن يعرض ، من عشا يعشو إذا ضعف بصره بلا آفة بعينه ، والمراد منه التعامى ، أي ومن يتعام « 5 » ( عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ ) أي القرآن بأن لا يؤمن به ولا يعمل بما فيه ( نُقَيِّضْ ) أي نسيب ( لَهُ شَيْطاناً ) مسلطا عليه يخذله مجازاة لإعراضه عن ذكر اللّه ( فَهُوَ ) أي الشيطان ( لَهُ ) أي للمعرض ( قَرِينٌ ) [ 36 ] أي صاحب لا يفارقه في النار كلاهما في سلسلة واحدة أو لا يفارقه في الدنيا يزين له الضلالة . [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 37 ] وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ( 37 ) ( وَإِنَّهُمْ ) أي وإن الشياطين ( لَيَصُدُّونَهُمْ ) أي ليمنعون المعرضين ( عَنِ السَّبِيلِ ) أي طريق الهدى ( وَيَحْسَبُونَ ) أي يظنون ( أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ) [ 37 ] أي أنهم على الطريق المستقيم ، وإنما جمع ضمير « مَنْ يَعْشُ » وضمير ال « شيطان » في قوله « وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ » مع أنهما مفردان ، لأن المراد ب « مَنْ » وال « شيطان » جنسان مبهمان

--> ( 1 ) وليستبعد ، ح و : ويستعبد ، ي . ( 2 ) « سقفا » : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر بفتح السين وسكون القاف ، وغيرهم بضم السين والقاف . البدور الزاهرة ، 289 . ( 3 ) « لما » : قرأ عاصم وحمزة وابن جماز وهشام بخلف عنه بتشديد الميم ، والباقون بتخفيفها ، وهو الوجه الثاني لهشام . البدور الزاهرة ، 289 . ( 4 ) قد أخذه عن الكشاف ، 5 / 225 - 226 . ( 5 ) يتعام ، وي : يتعامى ، ح .